الأبعاد الجيوسياسية
استهداف حلف الناتو 2011
تداعيات الأمن المائي
السياق الجيوسياسي والتاريخي للأمن المائي في ليبيا
تمثل المياه المورد الأكثر ندرة وحيوية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتكتسب مسألة الأمن المائي في ليبيا أبعاداً وجودية وحتمية جغرافية لا مفر منها. تتكون الأراضي الليبية في معظمها من مساحات صحراوية قاحلة تشكل أكثر من 90% من مساحة البلاد، وتفتقر الجغرافيا الليبية تماماً إلى الأنهار الطبيعية الدائمة أو المسطحات المائية العذبة المستدامة1.
تاريخياً، اعتمدت التجمعات السكانية المستقرة على الشريط الساحلي الممتد على البحر الأبيض المتوسط، حيث تتوفر معدلات هطول أمطار ضئيلة تتراوح بين 10 مليمترات و500 مليمتر سنوياً، إلى جانب الاعتماد على طبقات المياه الجوفية الساحلية السطحية1. ومع تزايد معدلات النمو السكاني التي تضاعفت منذ أوائل الثمانينيات، والتوسع الحضري السريع، تعرضت هذه الخزانات الساحلية لاستنزاف جائر أدى إلى انخفاض مستوياتها وتداخل مياه البحر معها، مما تسبب في تملحها وتدهور جودتها بشكل يجعلها غير صالحة للاستهلاك الآدمي أو الزراعي2. بالإضافة إلى ذلك، تسجل ليبيا معدلات تبخر هائلة تتراوح بين 1700 مليمتر في الشمال وتصل إلى 6000 مليمتر في الجنوب، مما يفرغ أي جهود للاعتماد على المياه السطحية أو مياه الأمطار الشحيحة من جدواها الاقتصادية والعملية2.
في مواجهة هذه التحديات الهيكلية، وأمام الخيارات البديلة المتمثلة في إنشاء محطات تحلية مياه البحر المكلفة أو استيراد المياه عبر خطوط أنابيب من جنوب أوروبا، اتجهت الحكومة الليبية في أوائل الثمانينيات نحو استغلال الموارد المائية الجوفية العميقة التي تم اكتشافها بمحض الصدفة في عام 1953 أثناء عمليات التنقيب عن النفط في عمق الصحراء الجنوبية2.




من هنا وُلدت فكرة مشروع “النهر الصناعي العظيم” (Great Man-Made River)، والذي تم تصميمه كأكبر شبكة ري ونقل مياه هيدروليكية تحت الأرض في العالم، بهدف استخراج المياه الأحفورية من الصحراء ونقلها لآلاف الكيلومترات إلى المدن الساحلية الشمالية، سعياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي المائي والغذائي وتخضير مساحات شاسعة من الصحراء1.
الأساس الجيولوجي والهيدرولوجي: نظام خزان الحجر الرملي النوبي
يعتمد مشروع النهر الصناعي العظيم من الناحية الجيولوجية والتشغيلية على الاستخراج المكثف من “نظام خزان الحجر الرملي النوبي” (Nubian Sandstone Aquifer System – NSAS)، وهو يُصنف كأكبر خزان للمياه الأحفورية غير المتجددة على مستوى العالم7. يمتد هذا الحوض الجوفي الهائل عبر الحدود السياسية لأربع دول أفريقية هي ليبيا، مصر، السودان، وتشاد، مغطياً مساحة سطحية تتراوح بين 2.2 و2.6 مليون كيلومتر مربع، حيث تقع نسبة 38% منه في مصر، و34% في ليبيا، و17% في السودان، و11% في تشاد9.
تشير التقديرات العلمية المتفاوتة إلى أن هذا النظام يحتوي على مخزون مائي يتراوح بين 150,000 كيلومتر مكعب ويصل في تقديرات أخرى إلى 373,000 أو 457,550 كيلومتراً مكعباً من المياه العذبة التي تخللت طبقات الحجر الرملي الحديدي الصلب خلال العصر الجليدي الأخير، أي في فترات مناخية مطيرة تراوحت بين 10,000 ومليون سنة مضت5.

تتميز هذه المياه بكونها “مياهاً أحفورية” (Fossil Water)، مما يعني ارتباطها بظروف مناخية سابقة غابرة، وأن معدلات التغذية الطبيعية الحديثة (Recharge) تكاد تكون معدومة أو محدودة للغاية في ظل المناخ الصحراوي الجاف السائد حالياً3. في الأراضي الليبية، تم التركيز على استغلال أربعة أحواض رئيسية تندرج ضمن هذا النظام الجيولوجي الأوسع، لتشكل المصدر المباشر لتدفقات النهر الصناعي العظيم.
بالرغم من الوفرة الظاهرية لهذه الاحتياطيات، تبرز تحديات هيدروجيولوجية وبيئية وصحية معقدة ترتبط باستخراج هذه المياه العميقة. تشير دراسات تحليل جودة المياه في طبقات الحجر الرملي النوبي في ليبيا إلى وجود مستويات مرتفعة من النظائر المشعة الطبيعية، مثل الراديوم (226Ra و 228Ra)، حيث سُجلت مستويات نشاط إشعاعي تتجاوز في بعض الآبار الحدود المسموح بها لمياه الشرب، مما يتطلب عمليات معالجة دقيقة وعمليات تهوية لإزالة أكاسيد الحديد والمنغنيز وتقليل مستويات الراديوم قبل ضخ المياه في الشبكة للاستهلاك الآدمي9.
من جهة أخرى، تشير النمذجة الهيدرولوجية المتقدمة، باستخدام الشبكات العصبية الاصطناعية (NARX-NN)، إلى أن استمرار معدلات الضخ العالية (والتي تقدر بنحو 2.4 كيلومتر مكعب سنوياً للاستهلاك المحلي والزراعي عبر النهر الصناعي) سيؤدي إلى تراجع حاد في المنسوب البيزومتري للمياه (Drawdown). تتنبأ السيناريوهات المستقبلية بأنه في حال زيادة معدلات الضخ لتلبية الاحتياجات المتنامية، قد يتجاوز الانخفاض في مستوى المياه الجوفية 50 متراً بحلول عامي 2030 و2040، مما يهدد الجدوى الاقتصادية لعمليات الاستخراج ويضعف الضغط الهيدروليكي اللازم للتشغيل9.
الهندسة، التنفيذ، والتكلفة: بناء الأعجوبة الثامنة
تحول الحلم الجيولوجي إلى واقع هندسي من خلال قرار مؤتمر الشعب العام الليبي في 3 أكتوبر 1983 بتمويل وتنفيذ مشروع النهر الصناعي العظيم2. صُمم المشروع لنقل حوالي 6.5 مليون متر مكعب من المياه العذبة يومياً عبر شبكة هائلة تحت الأرض من الأنابيب الخرسانية تمتد لأكثر من 4,000 كيلومتر (مع خطط لتوسعتها لتشمل 5,000 كيلومتر)2. استلزم ذلك حفر أكثر من 1,300 بئر إنتاجي، يتجاوز عمق معظمها 500 متر في عمق الصحراء4.
لتنفيذ هذا التحدي اللوجستي والهندسي غير المسبوق، ابتُكرت الأنابيب باستخدام تقنية “الخرسانة سابقة الإجهاد بأسطوانة فولاذية” (Pre-stressed Concrete Cylinder Pipes – PCCP). تتميز هذه الأنابيب بضخامتها، حيث يبلغ قطر الأنبوب الواحد 4 أمتار، وطوله 7 أمتار، ويصل وزنه إلى عشرات الأطنان. ولإعطاء تصور عن حجم المواد المستخدمة، فإن طول الأسلاك الفولاذية سابقة الإجهاد المستخدمة في تصنيع هذه الأنابيب يكفي للالتفاف حول الكرة الأرضية 280 مرة، كما استُخدم حوالي 5 ملايين طن من الخرسانة5. ولتأمين هذه المواد دون الاعتماد الكلي على الاستيراد المكلف والمحفوف بمخاطر الحظر الدولي آنذاك، أسست الحكومة الليبية مصنعين عملاقين محليين لإنتاج هذه الأنابيب، أحدهما في مدينة البريقة (تم افتتاحه في عام 1986) والآخر في مدينة سرت2.





وعلى النقيض من الخطاب الأيديولوجي للزعيم الليبي المغدور معمر القذافي، الذي صوّر المشروع على أنه تحدٍ قومي خالص للإمبريالية الغربية وإنجاز وطني بحت، اعتمد التنفيذ الفعلي بشكل جوهري على تحالفات مع شركات دولية عابرة للقارات وتقنيات هندسية مستوردة18. برزت شركة “دونغ آه للإنشاءات” (Dong Ah Construction Industrial) الكورية الجنوبية كالمقاول الرئيسي للمراحل التأسيسية، حيث فازت بعقد بلغت قيمته 3.8 مليار دولار في عام 1983، وجلبت آلاف العمال والمختصين الكوريين لمد الأنابيب وصناعتها19.
قُسّم المشروع هندسياً إلى خمس مراحل استراتيجية لتغطية مختلف الأقاليم الليبية.
| مرحلة المشروع | تاريخ الإنجاز / التشغيل | السعة والتغطية الجغرافية |
|---|---|---|
| المرحلة الأولى | أغسطس 1991 | نقل 3.5 مليون متر مكعب يومياً عبر 1874 كم من حقول السرير وتازربو إلى بنغازي وسرت.6 |
| المرحلة الثانية | سبتمبر 1996 | نقل 2.5 مليون متر مكعب يومياً عبر 1730 كم من جبل الحساونة إلى طرابلس والشريط الساحلي الغربي.23 |
| المرحلة الثالثة | 2007 – 2009 | توسعة المرحلة الأولى لزيادة التدفق إلى 3.68 مليون متر مكعب، وربط حقول الجغبوب لتغذية طبرق.5 |
| المرحلتان الرابعة والخامسة | غير مكتملتين | التوسع نحو حقول الكفرة، وإيصال المياه لزوارة والزاوية غرباً، وربط شبكات الشرق والغرب.5 |
ترافقت مسيرة البناء مع تعقيدات قانونية ومالية دولية. ففي عام 2001، أعلنت شركة “دونغ آه” إفلاسها، مما دفع هيئة النهر الصناعي العظيم الليبية إلى رفع دعوى قضائية تطالب بتعويض قدره 3.6 مليار دولار عن الأضرار الناجمة عن تأخير العمل وإصلاح التسربات25. لضمان استمرارية المشروع، تم التوصل إلى اتفاق تتولى بموجبه شركة “كوريا إكسبريس” (Korea Express)، بالتعاون مع ائتلاف شركات جديدة تحت مسمى “Al Nahr Co.” (ANC)، استكمال المراحل المتبقية وإسقاط جزء من الديون المتبادلة25.
قدرت التكلفة الإجمالية المعلنة للمشروع بأكثر من 25 مليار دولار أميركي، وارتفعت لاحقاً إلى ما يقارب 36 مليار دولار نتيجة للتعقيدات الفنية والصيانة المستمرة1. اعتمدت منهجية التمويل على رفض القروض من البنوك الدولية كالبنك الدولي، والاعتماد الكلي على التمويل الذاتي الداخلي بموجب القانون رقم 10 لعام 1983. شمل ذلك استقطاع ضريبة قدرها 1% من أجور العاملين في القطاع العام، وفرض ضرائب إضافية على التبغ والوقود والسفر الدولي، فضلاً عن الاعتماد الاستراتيجي المباشر والعميق على إيرادات مبيعات النفط الليبية لتمويل العقود الأجنبية واستيراد المواد الأولية المتخصصة كالحماية الكاثودية ضد التآكل التي وفرتها شركات أسترالية1.
الخرائط والصور التوضيحية للمراحل والمسارات
نظراً لضخامة المشروع وامتداده الجغرافي، توثق السجلات والخرائط الهندسية مسارات الأنابيب وتوزيعها عبر المراحل المختلفة:
- خريطة المسارات والمراحل (Schematic Map): توضح هذه الخريطة الهندسية مسار الأنابيب التي تنقل المياه من حوض الحجر الرملي النوبي في الجنوب إلى المدن الساحلية في الشمال، وتُميز بوضوح بين المراحل المكتملة والمراحل التي لم يتم تنفيذها (حيث تظهر المسارات المقترحة غير المنفذة، مثل خطوط طبرق وامتدادات الكفرة، بخطوط متقطعة)7. يمكن الاطلاع على الخريطة التوضيحية الشاملة مع المعلومات التفصيلية عبر هذا الرابط.

- صورة النهر الصناعي على العملة الوطنية: تخليداً لهذا الإنجاز الهندسي، تمت طباعة خريطة توضيحية لمسارات النهر الصناعي العظيم على ظهر العملة الورقية الليبية من فئة 20 ديناراً (إصدار عام 2002)، لتوضيح أهمية المشروع القومية7. يمكن رؤية صورة العملة والخريطة المطبوعة عليها من خلال هذا الرابط.

- صور تصنيع الأنابيب وعمليات الحفر: توثق السجلات التاريخية للمشروع صوراً لعمليات نقل الأجزاء الخرسانية سابقة الإجهاد الضخمة في الصحراء الليبية خلال ثمانينيات القرن الماضي، وعمليات حفر الخنادق العميقة لدفن الأنابيب لحمايتها5.
استهداف حلف الناتو (2011): تقاطع التكتيك العسكري مع القانون الدولي الإنساني
شكل عام 2011 نقطة انعطاف دراماتيكية وكارثية في تاريخ النهر الصناعي العظيم، بالتزامن مع اندلاع التمرد المسلح ضد النظام الليبي، وتدخل منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 لحماية المدنيين. وفي خضم هذه العمليات العسكرية، تحولت البنية التحتية للمياه، التي تعد عصب الحياة للملايين، إلى مسرح للعمليات التكتيكية وأهداف للقصف الجوي.
التسلسل الزمني والتحليل الاستقصائي لقصف البريقة وسرت
لم تكن مصانع الأنابيب في البريقة وسرت مجرد منشآت لتصنيع الأنابيب للمراحل المستقبلية، بل كانت تُمثل شريان الحياة الوحيد والمحوري لصيانة الشبكة القائمة. فهذه المصانع كانت الوحيدة القادرة على إنتاج الأنابيب الخرسانية سابقة الإجهاد (PCCP) الضرورية لإصلاح أي تسربات أو كسور تحدث في شبكة تمتد لآلاف الكيلومترات15.



تكشف التحقيقات الصحفية والمتابعات الاستقصائية (مثل تقرير الصحفي نافيز أحمد في مجلة “The Ecologist”) عن تسلسل زمني يتعارض مع الرواية الرسمية لحلف الناتو والمعارضة الليبية آنذاك حول المسؤولية عن قطع المياه واستهداف المنشآت:
- 18 يوليو 2011: صرح قائد ميداني من قوات المعارضة (الثوار) بأن القوات الموالية للقذافي تحصنت داخل المنشآت الصناعية في مدينة البريقة، وأن الثوار قاموا تكتيكياً بقطع إمدادات الغذاء والمياه عنهم لإنهاكهم. يعكس هذا التصريح أن المعارضة المسلحة هي من بادرت بتخريب شبكة إمداد النهر الصناعي في تلك المنطقة كسلاح تكتيكي، مفنداً التقارير الإعلامية الأولية التي كانت تدعي أن نظام القذافي هو من قطع المياه عن عمد لمعاقبة المدنيين المتمردين15.
- 22 يوليو 2011: شنت طائرات حلف الناتو غارة جوية دقيقة استهدفت مصنع إنتاج الأنابيب التابع للنهر الصناعي في البريقة. أسفر القصف عن تدمير أجزاء حيوية من المصنع ومقتل ستة من حراس الأمن المدنيين المكلفين بحمايته7. ولم يكن هذا الهجوم معزولاً، فقد سبقه بأسابيع قصف الناتو لمنشآت مائية حيوية في مدينة سرت (مسقط رأس القذافي وموقع المصنع الآخر للأنابيب)، مما أسفر عن مقتل تسعة من موظفي الدولة بقطاع المياه أثناء تأديتهم لعملهم15.
- 26 يوليو 2011: عقد الناتو مؤتمراً صحفياً في محاولة لتبرير الهجوم على منشأة البريقة المدنية. ادعى المتحدثون العسكريون للحلف أن أجهزة الاستخبارات رصدت استخدام المصنع كمنشأة عسكرية لتخزين الأسلحة وإطلاق الصواريخ من قبل الكتائب الموالية للقذافي. ولتعزيز هذا الادعاء، قدم الناتو للصحفيين صورتين التقطتهما الأقمار الصناعية لراجمة صواريخ متعددة من طراز “BM-21 Grad” كدليل قاطع على تبرير تدمير المصنع المدني15.
عند فحص هذا التبرير من منظور التحليل الاستقصائي والعسكري المستقل، تبرز تناقضات منهجية صارخة تضرب مصداقية الاستهداف. فبحسب الصور الجوية التي عرضها الناتو نفسه، تبين أن راجمة الصواريخ (BM-21 Grad)—وهي نظام مدفعية صاروخية مساحية عشوائية روسية الصنع يبلغ مداها حوالي 20 كيلومتراً—والتي وُجدت بالقرب من المنشأة قبل الهجوم، ظلت سليمة تماماً ولم تُمس بأي أذى بعد الغارة الجوية15.
فشل مسؤولو الناتو في تقديم أي تفسير منطقي حول كيفية ترك “الهدف العسكري المشروع” والتهديد الفعلي (الراجمة) سليماً تماماً، في حين تم تدمير البنية التحتية المدنية الحيوية للمصنع المحيط بها بشكل شامل6. يشير هذا النمط بوضوح إلى انحراف استراتيجي؛ حيث يبدو أن الهدف الحقيقي كان شل البنية التحتية للدولة الليبية وتدمير قدرتها على إدارة أزمة المياه، كجزء من حرب استنزاف نفسية ولوجستية لإجبار النظام على الانهيار المسرع28.
التكييف القانوني: انتهاكات اتفاقيات جنيف وجرائم الحرب المحتملة
تضع قوانين النزاعات المسلحة (القانون الدولي الإنساني) قيوداً صارمة على العمليات العسكرية لحماية المدنيين ومقومات عيشهم. تُمثل الغارات على مصانع الأنابيب ومرافق المياه في البريقة وسرت انتهاكاً جسيماً لهذه المبادئ الراسخة.
تنص المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، بشكل لا لبس فيه، على حظر تجويع المدنيين وتجفيف مصادر عيشهم. وتحظر المادة صراحة “مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، مثل المواد الغذائية، والمناطق الزراعية… ومنشآت وشبكات مياه الشرب، وأشغال الري”34. وبالتوازي، تنص المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب على أنه لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها شخصياً، وتحظر بشكل قاطع العقوبات الجماعية وجميع تدابير الترويع والإرهاب23.

بموجب هذه النصوص، أجمع خبراء قانونيون ومنظمات حقوقية على أن الاستهداف المتعمد للبنية التحتية للمياه في ليبيا يُشكل “جريمة حرب” (War Crime) صريحة15. وقد اتجه بعض المحللين، مثل نافيز أحمد، إلى وصف التدمير المنهجي لمنشآت مائية يعتمد عليها 70% من السكان بأنه يرقى ليكون جزءاً من “استراتيجية إبادة جماعية” (Genocidal Strategy) محتملة؛ لأن القيادة العسكرية للناتو كانت تدرك تماماً أن تدمير هذا المرفق وسط صراع دامٍ وانهيار لمؤسسات الدولة سيؤدي حتماً إلى وفيات جماعية نتيجة العطش وانتشار الأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة.
وعلى الرغم من هذه التجاوزات، اعتمدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن ليبيا، المشكلة من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (الوثيقة A/HRC/19/68)، لهجة دبلوماسية في تقريرها الصادر عام 2012. خلصت اللجنة إلى أن الناتو أدار حملة “عالية الدقة” وأظهر تصميماً على تجنب الخسائر المدنية، لكنها أقرت صراحة بأنه في حالات معينة “تم تأكيد وقوع إصابات بين المدنيين وضرب أهداف لم تُظهر أي أدلة على وجود فائدة عسكرية منها” وأوصت بإجراء تحقيقات إضافية لم تتم الاستجابة لها عملياً23. شكل هذا التجاهل ترسيخاً لمبدأ الإفلات من العقاب الذي أجهض مساعي محاسبة القيادات التي وافقت على قصف بنية النهر الصناعي المدنية38.
التداعيات الإنسانية الفورية: أزمة العطش وتقارير اليونيسف
كانت الآثار المباشرة لقصف الناتو وتصاعد وتيرة العسكرة كارثية على الأمن المائي والوضع الإنساني في صيف عام 2011. فحرمان جهاز النهر الصناعي من قدرته على إصلاح الأعطال بسبب تدمير مصنع البريقة، بالتزامن مع الانقطاعات المتكررة في التيار الكهربائي ونقص الوقود الحاد، وضع المنظومة بأكملها على حافة الانهيار التام15.
بحلول أغسطس وسبتمبر 2011، أصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف – UNICEF) تقارير طوارئ مروعة تؤكد أن الصراع قد أثر بشكل مدمر على هيئة النهر الصناعي العظيم، الموزع الأساسي للمياه الصالحة للشرب15. وأفادت التقارير أن انقطاع المياه طال حوالي 4 ملايين مدني ليبي، ولا سيما في المدن الساحلية الكبرى مثل طرابلس وبنغازي، حيث أُجبر المواطنون على البقاء بدون مياه لفترات تتجاوز 8 ساعات يومياً، واضطر الكثيرون لملء زجاجات من برك مياه طينية ملوثة لدرء العطش4.


حذر كريستيان بالسليف-أولسن (Christian Balslev-Olesen)، رئيس مكتب اليونيسف في ليبيا حينها، من أن انهيار الضخ للمدن الساحلية يُعد بمثابة “السيناريو الأسوأ على الإطلاق”، والذي ينذر بالتحول إلى “وباء صحي غير مسبوق” وتفشي الكوليرا والأمراض المعوية جراء نقص النظافة والمياه الآمنة6. لتدارك الانهيار الوشيك، أطلقت اليونيسف بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي واللجنة الدولية للصليب الأحمر عمليات لوجستية عاجلة، تمثلت في استيراد ملايين اللترات من المياه المعبأة بالشاحنات من تونس ومن خلال السفن إلى طرابلس، وتوفير المواد الكيميائية الأساسية لمعالجة المياه في محطات التحلية التي عانت بدورها من نفاد الوقود وتوقف الصيانة39.
أزمة الحوكمة والإدارة ما بعد 2011: عسكرة المياه والتخريب المؤسسي
يكشف التحليل المتعمق لتطورات الأزمة أن الخلل المائي في ليبيا لم يكن يوماً محصوراً في شح الموارد الطبيعية أو تدمير المنشآت بفعل الناتو فحسب، بل هو نتاج متراكم لأزمة حوكمة عميقة، وسوء إدارة، وتسييس وتوظيف أيديولوجي وميليشياوي للمياه41.
لقد استخدم نظام القذافي مشروع النهر الصناعي كأداة هندسة اجتماعية استراتيجية لترسيخ سلطته. استُغِلّت تدفقات المياه، وتوزيع المشروعات الزراعية المصاحبة، وحتى التوظيف في جهاز النهر، كآليات لمكافأة القبائل والمناطق الموالية للنظام، مع تعمد معاقبة وتهميش التجمعات المعارضة. فعلى سبيل المثال، استُبعدت منطقة جبل نفوسة ذات الأغلبية الأمازيغية بالكامل من مسار شبكة أنابيب النهر، وتُرك سكانها يعتمدون على الآبار الجوفية المحلية المتدهورة ومياه الخزانات والصهاريج، تعزيزاً للتمييز الإقصائي الممنهج.
إلى جانب ذلك، أدى التركيز السياسي والمالي المكثف على النهر الصناعي كرمز للنظام إلى تجميد الاستثمارات في تقنيات المياه البديلة؛ فلم يتم إنشاء “الشركة العامة لتحلية المياه” إلا في عام 2007، أي قبل سقوط النظام بأربع سنوات فقط، مما جعل قدرات التحلية في البلاد هشة، متهالكة، وغير قادرة على تغطية العجز الحاصل من تعطل النهر.
مع انهيار سلطة الدولة المركزية في عام 2011 وانقسام البلاد إلى حكومات متناحرة وميليشيات مسلحة تتقاسم النفوذ، تحولت البنية التحتية للمياه إلى هدف استراتيجي مستباح، وعُسْكِرت المياه بشكل غير مسبوق:
- المياه كأداة مساومة عسكرية: فقد جهاز النهر الصناعي الحماية العسكرية المنضبطة التي كان يتمتع بها سابقاً على مدار الساعة. نتيجة لذلك، تحولت محطات التحكم والضخ لورقة ضغط سياسي فعالة تستخدمها الأطراف المتصارعة لإخضاع خصومها وحرمان المدنيين من مقومات الحياة الأساسية كجزء من تكتيكات الحصار. فخلال الهجوم الذي شنه المشير خليفة حفتر وقواته (مثل اللواء 106 وكتيبة طارق بن زياد) للسيطرة على طرابلس في عام 2019، تم اقتحام المحطات وتخريب غرف التحكم لمنع تدفق المياه إلى العاصمة في ذروة الصراع العسكري18. وفي حادثة مشابهة ومروعة في أبريل 2020، وسط الإغلاقات المفروضة لاحتواء جائحة كورونا (COVID-19)، اقتحمت مجموعة مسلحة مجهولة محطة تحكم رئيسية وأجبرت المشغلين بقوة السلاح على إغلاق الصمامات، مما أدى إلى قطع إمدادات المياه بالكامل عن أكثر من مليوني مواطن في طرابلس وضواحيها، في تصرف اعتبرته الأمم المتحدة إعاقة لجهود الإغاثة الإنسانية وانتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان7.
- التفكيك، النهب، والتخريب المنهجي: في ظل غياب الرقابة والردع الأمني وتفشي المليشيات المحلية وتجار السوق السوداء، أصبحت شبكات الآبار الصحراوية المعزولة هدفاً مفضلاً لعصابات الخردة المنظمة. تشير تقارير هيئة النهر الصناعي لعام 2019 إلى أنه تم تخريب وتفكيك أكثر من 101 بئر إنتاجي من أصل 479 بئراً في المنظومة الغربية وحدها (مثل حقول آبار جبل الحساونة). شمل التخريب سحب المضخات الغاطسة، وسرقة المحولات الكهربائية وكابلات النحاس وبيعها في السوق السوداء لتمويل الأنشطة غير المشروعة، مما أدى إلى تدمير رأس مال استثماري بمليارات الدولارات وتسبب في عجز مزمن في إنتاجية النظام المائي ككل1.
- العجز المالي والانقطاع الكهربائي المزمن: تعتمد مضخات المياه الضخمة الخاصة بالنهر الصناعي في عملها على سحب طاقة كهربائية ضخمة بشكل مستمر من الشبكة الوطنية. ومع التدمير الواسع الذي طال محطات توليد الطاقة والانقطاعات اليومية التي تصل في بعض المناطق الغربية والجنوبية إلى 12 أو 14 ساعة، تتعطل مضخات المياه بشكل أوتوماتيكي لساعات ممتدة، مما يخلق عجزاً هائلاً في التدفق اليومي المطلوب للمدن، ويجعل الشبكة عرضة لفرط الضغط العكسي وتلف الأنابيب4. يتفاقم هذا العجز الفني بأزمة تمويلية خانقة لهيئة النهر الصناعي. فبسبب السياسات الاقتصادية الشعبوية التي تدعم تكلفة المياه بشكل شبه كامل لتوفيرها بأسعار زهيدة جداً للمواطنين، وفي ظل عجز مؤسسات الدولة الجمركية عن جمع الضرائب المستقطعة، باتت الهيئة عاجزة عن توفير السيولة النقدية أو العملات الصعبة اللازمة لاستيراد قطع الغيار الأجنبية الأساسية والصمامات لإجراء الصيانة الدورية6.
- التشظي وتداخل المؤسسات: أدى الانقسام الإداري الذي ضرب ليبيا إلى تفتيت جهود القطاع المائي بين أجسام موازية ومتقاطعة، تتمثل أساساً في هيئة النهر الصناعي، الشركة العامة للمياه والصرف الصحي، والشركة العامة للتحلية، والمركز الوطني لمكافحة الأمراض (المسؤول عن مراقبة الجودة)41. تسبب هذا التقاطع الإداري وغياب المركزية والتخطيط المالي المتماسك في تفشي الفساد وانعدام المساءلة، مما دفع المواطنين المحبطين والمفتقرين لخدمات الدولة إلى حفر آبار ارتوازية خاصة غير مرخصة بشكل عشوائي في مزارعهم ومنازلهم، متجاوزين اللوائح الفنية، مما ساهم بشكل كبير في زيادة تلوث طبقات المياه الجوفية السطحية بمياه الصرف الصحي غير المعالجة، فضلاً عن تسارع استنزاف المخزون الساحلي بشكل نهائي13.
الاستدامة والمستقبل: التحديات البيئية والبدائل الاستراتيجية
تتجلى معضلة النهر الصناعي العظيم في طبيعته الجيولوجية ذاتها؛ فباعتماده الحصري على “نظام خزان الحجر الرملي النوبي”، يستنزف المشروع في واقعه مورداً طبيعياً ناضباً (Fossil Water) لا يمكن تعويضه. وفي حين كان الخطاب الرسمي للمهندسين المرتبطين بالنظام السابق يستند إلى إحصائيات متفائلة تفترض أن المياه الأحفورية قد تكفي لتلبية الاستهلاك الليبي لآلاف السنين (تصل بعض التقديرات المبالغ فيها لـ 4,860 عاماً)7، ترسم النماذج الهيدروجيولوجية المستقلة والمتطورة واقعاً أشد قتامة.



تُظهر دراسات محاكاة التدفق والمحاكاة التنبؤية القائمة على الشبكات العصبية اللاخطية (NARX-NN) أنه في ظل سيناريوهات ضخ طبيعية أو مرتفعة لدعم الخطط الزراعية والاستهلاك المتزايد (حتى 400,000 متر مكعب يومياً من بعض الحقول)، فإن مستويات التراجع الجوفي (Drawdown) قد تفوق 50 متراً في نقاط الاستخراج المركزية بحلول عامي 2030 و204013. هذا الهبوط الحاد سيزيد بشكل مفرط من تكاليف استخراج المياه لدرجة تجعله غير مجدٍ اقتصادياً ويحتاج لتغيير مستمر لمعدات الضخ العميقة. وحذر تقييم للخبراء من أن الخزان المتاح فعلياً بتكلفة اقتصادية معقولة قد لا يكفي في الواقع سوى لـ 60 إلى 100 عام أخرى، ما لم يتم اللجوء بشكل متوازٍ وسريع لتفعيل محطات تحلية مياه البحر كمورد أساسي ومكمل4.
يُضفي البعد الجيوسياسي العابر للحدود طبقة أخرى من التعقيد والتهديد للأمن المائي الليبي. فخزان الحجر الرملي النوبي هو ثروة إقليمية تتشارك فيها دول الجوار، وتحديداً مصر، السودان، وتشاد9. في السنوات الأخيرة، انخرطت مصر في مشروعات استصلاح أراضٍ زراعية مكثفة تعتمد على هذا الخزان بالذات (مثل مشاريع توشكى وشرق العوينات والمشروع القومي المسمى بالوادي الجديد)، مسجلة تراجعاً بيزومترياً للمياه وصل إلى 60 متراً في بعض الواحات (كالخارجة والداخلة)9. في الوقت ذاته، تتوسع الاستثمارات الزراعية المدعومة من دول الخليج العربي وكوريا الجنوبية داخل الأراضي السودانية، والتي تعتمد على سحب متسارع من نفس المخزون الأحفوري غير المتجدد، ما يطلق منافسة إقليمية خفية (Pumping Competition) على استنزاف الخزان المشترك دون آليات حوكمة ومراقبة عابرة للحدود تضمن الاستدامة وتحول دون جفاف الآبار التدريجي3.
الخلاصات الاستراتيجية
تعتبر تجربة النهر الصناعي العظيم في ليبيا دراسة حالة نموذجية للمخاطر الاستراتيجية المترتبة على بناء مشروعات بنية تحتية عملاقة ومركزية (Mega-Projects) في بيئات تتسم بالهشاشة الأمنية والاضطراب الجيوسياسي. لقد راهنت الدولة الليبية بأمنها المائي ومستقبل استقرار سكانها الحضريين بالاعتماد الحصري (بنسبة تقارب 70-90%) على شبكة هيدروليكية معقدة وممتدة عبر آلاف الكيلومترات في بيئة صحراوية قاسية ومفتوحة لاختراقات أمنية، مُفضلة الاستثمار في سراب “الاستدامة القائمة على المياه الأحفورية الناضبة” على بناء مقدرات مرنة ومتنوعة كتحلية مياه البحر.
إن استهداف حلف الناتو الممنهج لمصنع الأنابيب في البريقة عام 2011، بذريعة وجود راجمات صواريخ لم تتعرض لأذى فعلي، يُعد انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني (المادة 54 من اتفاقية جنيف الأولى والمادة 33 من جنيف الرابعة). وقد أرسى هذا الاستهداف، إلى جانب الإفلات المطلق من العقاب للمسؤولين عنه، سابقة خطيرة في العلاقات الدولية تعزز استباحة البنية التحتية للمياه واستخدامها كأداة ضغط استراتيجي لإخضاع الدول أو تسريع إسقاط النظم الحاكمة، متجاهلاً التبعات الكارثية المتمثلة في تعريض ملايين المدنيين للعطش والأوبئة.
ولكن، لا يمكن اختزال أزمة المياه الليبية الحالية في التدخل العسكري الخارجي وحده. إن العجز المائي هو نتاج مباشر لتفكك وانهيار مفهوم الدولة والمؤسسات؛ حيث حوّلت الفصائل والميليشيات المسلحة تدفقات المياه إلى أداة ابتزاز سياسي وعقاب اجتماعي، في حين ساهم الفساد والتشظي الإداري، ونهب شبكات الآبار الصحراوية، والانقطاع المستمر للكهرباء، في شل قدرة هذا المشروع العملاق على الاستمرار في أداء وظائفه التشغيلية.
لمعالجة هذا المسار الانحداري وحماية الأمن القومي الليبي في العقود القادمة، يتحتم على صانع القرار الاستراتيجي تنفيذ حزمة متزامنة من التدخلات المؤسسية والفنية:
- فك الارتباط الاستراتيجي وفك المركزية: من الضروري تخفيف الاعتماد المفرط على منظومة النهر الصناعي عبر إحياء ودعم “الشركة العامة لتحلية المياه”، وتوجيه استثمارات وطنية وشراكات دولية كبرى لإنشاء شبكة واسعة من محطات التحلية الحديثة (بتكنولوجيا التناضح العكسي RO) على امتداد الشريط الساحلي الليبي، استناداً إلى انخفاض تكلفة التحلية عالمياً مقارنة بتكلفة تشغيل وصيانة وتأمين آبار عميقة يهددها النضوب.
- التأمين العسكري وإبعاد المياه عن الصراعات: يجب اعتبار منشآت التحكم والآبار في جبل الحساونة وحقول السرير وتازربو خطاً أحمر للأمن القومي، يخضع لحماية وتأمين سيادي مركزي، مع الدفع نحو صياغة مواثيق وطنية تُجرم استخدام إمدادات المياه كأداة للابتزاز السياسي وتضع مرتبكيه تحت طائلة المحاسبة الجنائية محلياً ودولياً كمرتكبي جرائم حرب.
- إعادة هيكلة الاقتصاد المائي: إن استمرار سياسة التوفير المجاني غير المدروس للمياه يُشكل استنزافاً اقتصادياً فادحاً للمورد الناضب. يجب إعادة النظر في تسعيرة الاستهلاك المائي لتعكس ولو جزءاً يسيراً من تكلفة الإنتاج والصيانة، بغية ترشيد الاستهلاك، وتوفير السيولة اللازمة لاستيراد التقنيات وقطع الغيار المطلوبة للصيانة.
- تأسيس دبلوماسية المياه الجوفية المشتركة: يتعين على ليبيا تفعيل العمل ضمن مؤسسات دولية مشتركة ملزمة قانوناً لإدارة نظام خزان الحجر الرملي النوبي مع جيرانها (مصر، السودان، تشاد)، لضمان استدامة الضخ، ووضع سقوف للاستخراج الإقليمي، ومنع تسابق التسلح المائي (Pumping Competition) الذي يهدد استقرار المخزون الحيوي المشترك في المدى الطويل.
مصادر ومراجع:
- Libya′s Great Man-Made River irrigation project: The eighth wonder of the world? | Qantara.de, https://qantara.de/en/article/libya%E2%80%B2s-great-man-made-river-irrigation-project-eighth-wonder-world
- Great Man-Made River (GMMR): النهر الصناعي العظيم – Temehu, https://www.temehu.com/great-man-made-river-gmmr.htm
- The Great Man-Made River: Quenching Libya’s Millennia-Long Thirst – Osservatorio Strategico Mediterraneo Allargato, https://osservatoriostrategicomediterraneoallargato.com/2025/03/03/the-great-man-made-river-quenching-libyas-millennia-long-thirst/
- Trouble ahead for Gaddafi’s Great Man-Made River | Middle East Eye, https://www.middleeasteye.net/opinion/trouble-ahead-gaddafis-great-man-made-river
- Great Man-Made River (GMR) | History, Construction, Map, & Facts | Britannica, https://www.britannica.com/topic/Great-Man-Made-River
- How the “water eyes” work in the middle of the Sahara Desert – AS USA, https://en.as.com/latest_news/how-the-water-eyes-work-in-the-middle-of-the-sahara-desert-f202512-n/
- Great Man-Made River – Wikipedia, https://en.wikipedia.org/wiki/Great_Man-Made_River
- Libya: water emerges as hidden weapon – The Guardian, https://www.theguardian.com/environment/2011/may/27/libya-water-hidden-weapon
- Nubian Sandstone Aquifer System – Wikipedia, https://en.wikipedia.org/wiki/Nubian_Sandstone_Aquifer_System
- Radioactive Groundwater Webinar – Blog posts for Conserve & Pro$per, LLC, https://www.conserve-prosper.com/blog/radgw-summit
- Nubian Sandstone Aquifer Overview | PDF – Scribd, https://www.scribd.com/document/703003937/Alker-2008-The-Nubian-Sandstone-Aquifer-System-NSAS
- BLUE GOLD – Essex Research Repository, https://repository.essex.ac.uk/20042/1/Blue%20Gold_The%20Utilisation%20of%20the%20Nubian%20Sandstone%20Aquifer%20System.pdf
- The Great Man-Made River Project in Libya: An Overview of the Current Status and Future Prospects | Request PDF – ResearchGate, https://www.researchgate.net/publication/389298148_The_Great_Man-Made_River_Project_in_Libya_An_Overview_of_the_Current_Status_and_Future_Prospects
- The Groundwater Flow Behavior and the Recharge in the Nubian Sandstone Aquifer System during the Wet and Arid Periods – ResearchGate, https://www.researchgate.net/publication/361076207_The_Groundwater_Flow_Behavior_and_the_Recharge_in_the_Nubian_Sandstone_Aquifer_System_during_the_Wet_and_Arid_Periods
- War crime: NATO deliberately destroyed Libya’s water infrastructure – The Ecologist, https://theecologist.org/2015/may/14/war-crime-nato-deliberately-destroyed-libyas-water-infrastructure
- The transboundary non-renewable Nubian Aquifer System of Chad, Egypt, Libya and Sudan: Classical groundwater questions and parsimonious hydrogeologic analysis and modeling | Request PDF – ResearchGate, https://www.researchgate.net/publication/263036822_The_transboundary_non-renewable_Nubian_Aquifer_System_of_Chad_Egypt_Libya_and_Sudan_Classical_groundwater_questions_and_parsimonious_hydrogeologic_analysis_and_modeling
- Libya great man made river project | PPTX – Slideshare, https://www.slideshare.net/slideshow/libya-great-man-made-river-project/56594824
- What’s next for Libya’s Great Man-Made River Project? – Middle East Institute, https://mei.edu/publication/whats-next-libyas-great-man-made-river-project/
- Overseas construction – KoreanLII, http://www.koreanlii.or.kr/w/index.php?title=Overseas_construction&oldid=7485
- Environment: A Plan to Make the Desert Gush – TIME, https://time.com/archive/6707222/environment-a-plan-to-make-the-desert-gush/
- Eighth Wonder of the World – The Korea Times, https://www.koreatimes.co.kr/opinion/20111027/eighth-wonder-of-the-world
- Great Man-Made River Project, https://araburban.org/en/infohub/projects/?id=10825
- A/HRC/19/68 Advance Unedited Version, http://diue.unimc.it/e-library/databases/ICJD/iv-independent-fact-finding-commission-commission-of-inquiry/A_HRC_19_68_en_1_.pdf
- ouvrage IAI-OCP Policy Center, https://www.policycenter.ma/sites/default/files/2021-01/book-IAI-OCPPC.pdf
- Korea Express to run Libyan river project, https://www.koreajoongangdaily.com/business/korea-express-to-run-libyan-river-project/10349547
- Gulf Construction Online – Libya sues Dong Ah over man-made river job, http://80.241.146.114/gulfconstruction/news/1772_Libya-sues-Dong-Ah-over-manmade-river-job.html
- Korea Express to take over Libyan Great Man-Made River (GMR) project, https://www.wam.ae/en/article/hsyibpm2-korea-express-take-over-libyan-great-man-made
- Freshwater from the desert – dandc.eu, https://www.dandc.eu/en/article/libya-has-worlds-largest-irrigation-project
- File:Great Man Made River schematic EN.svg – Wikimedia Commons, https://commons.wikimedia.org/wiki/File:Great_Man_Made_River_schematic_EN.svg
- File:Great Manmade River. Libya.jpg – Wikimedia Commons, https://commons.wikimedia.org/wiki/File:Great_Manmade_River._Libya.jpg
- History and Long-Term Fate of the Great Man-Made River in Libya – EPCM Holdings, https://epcmholdings.com/history-and-long-term-fate-of-the-great-man-made-river-in-libya/
- Great Manmade River, Libya – EJAtlas – Global Atlas of Environmental Justice, https://ejatlas.org/print/great-manmade-river-libya
- Reconfiguring the Aquatic Divide in North East Africa: The Rise and Fall of the Great Man Made River | Orsam, https://orsam.org.tr/en/yayinlar/reconfiguring-the-aquatic-divide-in-north-east-africa-the-rise-and-fall-of-the-great-man-made-river/
- The People’s Perspectives: Civilian Involvement in Armed Conflict, https://civiliansinconflict.org/wp-content/uploads/2015/05/Peoples_Perspectives_WebFinal.pdf
- Un Security Council Resolution of International Water Disputes – Georgetown Law, https://www.law.georgetown.edu/international-law-journal/wp-content/uploads/sites/21/2019/10/GT-GJIL190029.pdf
- War Crimes Prosecution Watch, Vol. 18, Issue 14 — October 24, 2022 – Public International Law & Policy Group, https://paul-williams-x5eb.squarespace.com/s/1025-Master-Pub-Vol-18-Issue-14.pdf
- ajdabiya & brega 1. introduction ajdabiya is a city of approximately, https://brill.com/downloadpdf/book/edcoll/9789004257351/B9789004257351_009.pdf
- S/2022/427 – Security Council Report, https://www.securitycouncilreport.org/atf/cf/%7B65BFCF9B-6D27-4E9C-8CD3-CF6E4FF96FF9%7D/N2233441.pdf
- UNICEF acts to stave off potential water crisis caused by fuel shortages in Libya, https://www.unicef.ie/story/unicef-acts-to-stave-off-potential-water-crisis-caused-by-fuel-shortages-in-libya/
- Libya: Water Cutoffs to Tripoli Tied to Security Situation | RANE, https://worldview.ranenetwork.com/content/analysis/2011-08-31/libya-water-cutoffs-to-tripoli-tied-to-security-situation
- Water Politics in Libya: A Crisis of Management, not Scarcity – Arab Reform Initiative, https://www.arab-reform.net/publication/water-politics-in-libya-a-crisis-of-management-not-scarcity/
- Country Programme Evaluation Libya Final Evaluation Report | UNICEF, https://evaluationreports.unicef.org/GetDocument?documentID=16150&fileID=44041