تمثل هذه الورقة رؤية مرحلية ورأي على ما يلزم لكسر الجمود والاستقطاب وتبريد الخلافات لمناقشتها وتصويب البوصلة.. رؤية نتشاركها نحن مجموعة من الناشطين في الشأن العام فهي ليست جديدة عما كنا نقوله منذ أكثر عقد، فمن يرى في هذ الورقة ما يفيد المصلحة العامة ويحقق تطلعاته المرحلية والمستقبلية ليشاركها:

مبادئ المواطنة، الإدارة الذاتية

ديباجة:

وسط هذه الفوضى والعبث والتشتت، ننطلق من مسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه سكان إقليم الساحل السوري، معتقدين أن الفرد الحر المستقل غاية أسمى والنواة الأساسية لبناء مجتمع مزدهر. في ظل تهديدات قائمة ومستقبلية تطال مصالح سكان الإقليم على عدة صعد، وضمناً التهديدات الوجودية ولا سيما المنتمين بالولادة أو الاعتقاد للعائلة الروحية العلوية بطرقها وتفرعاتها المتنوعة، وتغوّل المركز دمشق بقيادته الجديدة وانتهاكاته لحقوق الإنسان في الإقليم عبر مؤسسات الدولة الجديدة المختلفة بقيادة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا – جناح تنظيم القاعدة في سوريا)، الأمن، والجيش، نتوافق على الآتي:

نحن الموقعين أدناه (قوى، وتكتلات، ومستقلين ننشط في الشأن العام) نتوافق على الميثاق أدناه ليكون أساساً متيناً ومبادئ حاكمة لأي عمل سياسي أو إداري قادم يخص إقليم الساحل، طالما يحقق هذا الميثاق بمستهدفاته تطلعات ومطالب سكان الإقليم على المستويات كافة، الاقتصادية والسياسية والدستورية والقانونية والثقافية والاجتماعية.. وعليه تُجمِع الأغلبية؛ شخصياتٍ اعتباريةً أو أفراداً على اعتماد هذا الميثاق كعقد سياسي اجتماعي يضع حجر الأساس لنضمن أمن الإقليم ورفاه الفرد الذي يعيش فيه، وصون كرامته، وحماية حقوقه في حرياته الأساسية والسياسية والاجتماعية والثقافية وتقدير وإجزاء واجباته، وعليه:

أولاً: الإدارة الذاتية والكيانية السياسية

يشكل إقليم الساحل السوري وحدة جغرافية وسياسية واقتصادية واجتماعية متآلفة ذات مصالح اقتصادية مشتركة. جدير بالذكر والتأكيد أن هذا الإقليم بالمعنى الجغرافي يشمل ضمناً مناطق من سهل الغاب وغرب حمص، وهو ليس حتمية جغرافية من ناحية الحدود الإدارية. وعلى ذلك، يمتلك المواطنون الحق الأصيل في إدارة شؤونهم بأنفسهم عبر أنموذج لامركزي (حكم ذاتي) في إطار دولة اتحادية فيدرالية وفق الأطر المرعية في هذا النوع من الحوكمة؛ حيث يكون للإقليم برلمانه وحكومته. يُعد هذا النموذج ضرورة لحماية حياة الفرد وحريته ومطلبه بالعيش الكريم والهجرة إلى الحضارة بما يليق بمطالبه وتطلعاته وآماله، ولا يخضع هذا المطلب للمساومة.

تُترك تفاصيل العلاقة القانونية النهائية بالمركز التاريخي لمفاوضات لاحقة تستند إلى حق تقرير المصير ومصالح سكان الإقليم حصراً وفق الأصول الديمقراطية المرعية. أيضاً، تُحدَّد علاقات الإقليم مع دول الجوار وحول العالم على أساس مصالحه أولاً، معتمداً مبدأ السلام وحسن الجوار كأساس للازدهار في المنطقة، مقدماً نفسه كصمام أمان في شرق المتوسط بعيدا.

ثانياً: المواطنة الفردية المتساوية والمدنية

يتمتع الفرد في الإقليم بالمساواة في الحق والواجب في مقابل الآخر الذي يشاركه العيش في هذه الجغرافيا التاريخية التي ينتمي لها بالولادة والتاريخ أو الاكتساب، حيث يشكل الفرد الوحدة الأساسية للمجتمع، وتُبنى المواطنة على أساس التساوي التام في الحقوق والواجبات أمام القانون. يُدار الإقليم استناداً إلى مبادئ الحكم المدني العلماني الديمقراطي الذي يكفل الحريات الفردية، ويحمي حرية المعتقد والتفكير والتعبير، ويُجرّم أي تمييز على أساس الهويات الدينية أو الثقافية الفرعية، مانعاً أي شكل من أشكال الوصاية الجماعية على الفرد.

ثالثاً: حصرية الأمن واحتكار القوة الشرعية

تُناط مسؤولية الأمن والدفاع بمؤسسة نظامية احترافية واحدة تخضع بالكامل للسلطة المدنية والرقابة الديمقراطية، فأمن الإقليم وأفراده خط أحمر. يُجرّم الميثاق بشكل قاطع كافة أشكال الميليشيات المسلحة، وأمراء الحرب ولاسيما من كانوا محسوبين على النظام السابق، ويُعتبر السلاح خارج مؤسسات الإقليم الرسمية تهديداً مباشراً لأمن الإقليم والسلم الأهلي. وتصاغ هذه المسؤوليات بالمفاوضات مع سلطة دمشق المركزية.

رابعاً: الاستقلالية الاقتصادية وتكافؤ الفرص

إن ثروات الإقليم وموارده ومرافئه ملك لجميع مواطنيه. يتمتع الإقليم بالاستقلالية في إدارة اقتصاده وتوجيه استثماراته بما يضمن التنمية المستدامة والرفاه الاجتماعي، ويخضع تفصيل هذا الملف مع مركز و/أو مراكز الدولة الاتحادية لاحقاً. يقوم النظام الاقتصادي على مبدأ تكافؤ الفرص وحماية الملكية الفردية، بعيداً عن سياسات التهميش والتبعية والإفقار أو احتكار السلطة للثروة، مما يضمن بيئة حرة تطلق طاقات الأفراد وإبداعاتهم، وتساهم الدولة في توفير الحد الأدنى من الرعاية الصحية والتقاعد الاجتماعي والرقابة على القطاع الخاص، وتفصل هذه الحدود لاحقا.

خامساً: الموقف من المركز ورفض الاستبداد والتطرف

يرفض الإقليم رفضاً قاطعاً الخضوع لأي سلطة مركزية تمارس الاستبداد، أو تتبنى أيديولوجيات شمولية أو متطرفة، أو تنتهك حقوق الأفراد وحرياتهم عبر الخطف، أو القتل، أو الإلغاء والمحو الثقافي، أو الإقصاء الوظيفي والسياسي. إن أي ارتباط بالإطار السوري الأوسع في حال استمراره يجب أن يكون طوعياً، مشروطاً باحترام حقوق الإقليم الدستورية ضمن سوريا الاتحادية الفيدرالية، وقائماً على الشراكة الندية.

سادساً: القطيعة مع ممارسات الماضي وتأسيس العدالة

يلتزم إنسان إقليم الساحل بقطيعة تامة لا رجعة فيها مع رموز النظام البعثي السوري السابق. يُبنى الإقليم على سيادة القانون، والشفافية، وفصل السلطات، بما يضمن حماية الفرد من أي تعسف للسلطة. يُحاسب القضاء المختص في الإقليم على تجاوزات وجرائم الماضي عبر قضاء مدني مستقل وعادل، بعيداً عن منطق الثأر والانتقام الجماعي، وتُرد المظالم لأصحابها كجزء من مسار واضح للعدالة الانتقالية، سواء كانت القضية داخل الإقليم أو في إطار الدولة الاتحادية السورية.

سابعاً: ميثاق الشرف السياسي (أخلاقيات العمل العام)

يُقر جميع الموقعين والمشاركين في الفضاء العام للإقليم بميثاق شرف سياسي مُلزم، ينص على:

  1. احترام التعددية والخصومة: اعتبار التنوع الفكري والسياسي بين الأفراد حقاً أصيلاً ومصدراً لغنى الإقليم.
  2. لا للتخوين والتكفير: يُمنع منعاً باتاً استخدام لغة التخوين أو التكفير الديني والسياسي، أو التحريض ضد أي فرد أو تيار.
  3. الاحتكام للحوار والمؤسسات: تُدار الخلافات حصراً عبر الحوار والمناظرات العلنية، وتكون صناديق الاقتراع أو ما يناظرها في العالم الافتراضي والآليات الديمقراطية هي الحكم الفاصل.
  4. منع القدح والذم: يُدان بشدة أي هجوم شخصي، أو تشهير، أو مساس بكرامة الأفراد وخصوصياتهم في الفضاء العام أو الرقمي.

خاتمة الميثاق:

إن إقرار هذا الميثاق ليس نهاية المطاف، إذ يمثل حجر الأساس لإنقاذ الإقليم وبناء مجتمع حر تسوده العدالة والقانون. به نلتزم، وعليه نؤسس، وأمام مواطنينا والتاريخ نتحمل المسؤولية.